هذه الأزمة هل تعتقد أنها غيرت في المسلمين شيئاً؟ وفيك أنت شخصياً؟

  •  غيرتني وغيرت من حولي نحو الأفضل
  •  لا نزال كما نحن بآفاتنا وعيوبنا
  •  زادتنا سوءاً
  •  غيرتني شخصياً ، لكن من حولي كما هم
  •  حسنت حالنا مع الله أما المعاملات فكما هي
الفتاوى

نعمة العافية

حينما يمرض الإنسان أو يزور مريضا أو يدخل المستشفيات يتذكر العبارة الشهيرة: "الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى"، ويتجلى هذا المعنى بوضوح، فهذا التاج لا يقدر بثمن، فهو أنفس من الأحجار الكريمة والأموال الغزيرة، فليتق الأصحاء ربهم، وليتذكروا نعمته ويضعوها في موضعها الأمثل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" (رواه البخاري 6412) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكفيا صحيح البدن فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون .

وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:


يسر الفتى طول السلامة والبقا ** فكيف ترى طول السلامة يفعل
يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ** ينوء إذا رام القيام ويحمل


وقال الطيبي: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للمكلف مثلا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس، ليربح خيري الدنيا والآخرة، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح.

وقريب منه قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} [الصف: 10ـ13].

فحينما يصرف إنسان صحته ووقته في غير وضعهما الصحيح، فهو مغبون لأنه باع الغالي النفيس بالناقص الرخيص، وباع الباقي النافع بالفاني الضار! فيا عبد الله اشكر الله، وضع الأمور في مواضعها، وضع الزكاة في مصارفها فإن لكل شيء زكاة، فزكاة العلم أن تعلم غيرك، وزكاة المال أن تعطي المحتاج، وهكذا..

قال ابن القيم: لله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة؛ فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به، وإن عطل أمر الله ونهيه فيه عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته، وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه تقربه منه، فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أرواحه وبطالة تأخر فالعبد لا يزال في التقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة قال تعالى : {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} [المدثر: 37].

والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فأر الله في نفسك خيرا، واغتنم صحتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك.

وحياة المرء الماضية عبرة له لما سيأتي وعظة، كما أنها عبرة لغيره وعظة، قال تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر : 2 ].

قال ابن رجب: ومن حفظ الله في صباه وقوته: حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، وعكس هذا: أن بعض السلف رأى شيخا يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره فضيعه الله في كبره.

اللهم نسألك العافية في الدين والدنيا والآخرة وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.


محمد علي الملا